المشاركات

الرسالة الثامنة من أصل عشرة

أيها القادم إلى هنا من المستقبل اللامعلوم. إلى هذه البقعة الراغبة بالبقاء. مرحباً ! أنا سعيدة بوجودك.. هذا المكان لم يكن دوماً رحباً لاحتواء الجميع, ولكنني سأترك لك مساحة صغيرة لتختبئ, لتغيب قليلاً عن تعثرات العالم في إسعادك, لتهدأ, وليستسلم هذا الوثب عن مطاردة نبضات قلبك ودفعها لركض ميلٍ إضافي. هذا المكان ليس عدماً وليس حلماً, وبكل تأكيد ليس بيتاً تؤوب إليه.  هذا منفى ! للأرواح التي وُلدت بقصر أنفاس طبيعي أمام عدو الحياة, للأشخاص الذين يهربون قليلاً من المحادثات إلى السرحان في أطياف العدم, الذين ينامون ساعة إضافية قبل النفاذ إلى العالم, لأولئك الذين ينزلق حضورهم إلى العدم في آخر الحفل, للمناضلين في رسم ابتسامات غير متأكدين من حضورها في دواخلهم, للمشككين في كينونتهم تحت قهر المتغيرات. هذا منفى. لا يفعل شيئاً, ولا يطلب منك فعل شيء. هذا منفى. للتوقف قليلاً, أو البكاء , أو سرقة الأوكسجين من جعبة الكون, أو حتى ركل الحائط من فرط الغيظ المحتبس.
لذا لا تخف ولا تبتئس, خذ نفساً عميقاً.. ثم انطلق مجدداً لمواجهة اليوم.

الرسالة السابعة من أصل عشرة

مرحباً.. أردت أن أخبرك بأنني ما زلت أبحث عن أشياء تدفعني للكتابة, والحب, والضحك, و تحقيق الأحلام العالقة في قائمة الانتظار الأبدية ما زلت أبحث عن الشغف البائت في مغارة سحرية لا يطؤها إلا المؤمنون بالحياة و نضارة العيش تحت الشمس ما زلت لا أعلم للحياة سبيلاً.. لأن الموت في بالي , و الرعب في قلبي , و الجسد منزوع الرغبة ولا شيء يستحق الموت لأجله, ولا شيء يستحق الاستيقاظ لرؤيته, ولا موعد يتوجب عليّ لحاقه بالضرورة كل شيء يمر في حالة خدر و ضجر مميتة. ولا زلت أعيش, كما لو أن لا رغبة لي بالموت. ولا زلت أموت, و كأنني لم أعتكف العيش يوماً إنني رزمة متضاربة من الآراء المزيفة, إنني عدمية تتستر بثوب البحث عن مغزى إنني أنقر كل الأبواب الفارغة ثم أشتكي من شح الجواب هذا الضياع, إنه يستميت ليحتويني. إنه دائماً هنا, في آخر الرواق.. في الركن الداني من الأريكة, في الظلام الذي أقتطفه من ستائر الغروب يحنو عليّ دائماً, ويدعوني لأكون صديقته, ليس فقط كمحاولة سخيفة لتعبئة فراغ الوقت بل كهوية , كرفيق لا يغيب مع حضور الأصحاب, كمأوى في غياهب المحافل والقاعات و الدفء الناشئ من شعور الانتماء. هذا الضياع.. إنه لا ينوي شر…

الرسالة السادسة من أصل عشرة

سأغادر الليلة يا حلوتي, 
وستكون ليلة جميلة,
فلا تحزني ولا تبتئسي.

الرسالة الخامسة من أصل عشرة

عزيزتي فيكتوريا أنتي في كل مكان.. باتت أحلامي معبأة بك. كل الوجوه وجهك , وكل الأحاديث تلوذ بي إليك أصبح الناس يتجنبون الحديث معي أنا العجوز المجنون الذي يتحاشون ملاقاته في الشارع عرضاً بت كمريض زهايمر غائب في حقبة زمنية معنوّنة بك كل الكلام أنت, كل الذكريات أنت, كل الصراعات والمشاكل أنت. أنا غريق في تلابيبك يصلي من أجل الرحمة فاجتثيني وبعنفوانك أغدقيني. أوه حبيبتي فيكتوريا.. أحلم بك كل يوم, وكل مرة أستيقظ باكياً كل مرة ينتهي الحلم –الكابوس- بك تغادرين وكل ما أفعله للفوز بك يثبر ويبور. وأستيقظ باكياً.. من فرط خيبتي , من انتهاكك لأحلامي بهذه الوحشية الضارية من رؤيتك تنتزعين قلبي وتغادرين. لذا اعتزلت النوم! إن كنتي ستحضرين فسيكون الأمر بإرادتي ولن تموتي أو تأكلك الضباع أو يخطفك اللصوص عنوة مني لذا بتنا أنا والقهوة أصدقاء. أحتسيها حتى تتقوّض معدتي, حتى تغلبني المرارة, حتى الفجر.. وطيلة اختلائي بالأوراق العبثية المصبوغة باسمك المملوءة بدموعي وحسراتي وجمال عينيك. آه من عينيك !

الرسالة الرابعة من أصل عشرة

 مرحباً يا حبيبي ليس من المفترض ان تكون هذه وسيلتي في التواصل ولكن طرقي محدودة، و السماء بالاعلى واسعة وتسحبني.. كجاذبية عكسية لذا هذا كل ما املكه. رسالة مكتوبة بخط ابنتنا التي بالكاد تعرف الفرق بين الـA و الـB اكتب لك لانني لم اشأ ان اتركك هكذا لأنني لم أشأ تركك بالمرة ! ولكنه كان موعد رحيلي بالفعل، كان لزاماً ان ارحل، بينما تبقى أنت.. طويلاً، حتى يكبر اطفالنا. اكتب لاطلب منك البقاء، اعلم كم تستهويك فكرة ملاحقتي، وكم تبدو الحياة فارغة حينما يسبقك الموت إلي. رأيت انكسارك في جنازتي، وامتعاضك من وجه "جون" .. أنت تلومه بالفعل. إعلم بأن لا ذنب له في ذلك، وأنه في حال عدت لذاك الموقف كنت لاختار الأمر نفسه. لذا احبه كما تحبني، ولا تخبره يوماً انه كان سبباً في موتي. و اعلم باني ساعود .. كشجرة تبني عليها ارجوحة يتسابق إليها بيث و جون . وسأراقبك دائماً، و سأعتني بك.

الرسالة الثالثة من أصل عشرة

مرحباً..  أكتب لك لأخبرك بأنك -بعد كل ما مضينا فيه-كنت على حق. إنني أشرع النهايات دائماً.. أجدني بشكل لا إرادي , في لحظة سهو , في تعثر قصير لنبضة.. أطوي كل شيء دفعة واحدة. وأغادر . ربما أنا فقط خائفٌ من الرفض. لذا أصفع الباب قبل أن يُصفع في وجهي. لطالما كانت توجهاتي ذات نزعة انعزالية,  لكنني كنت أخاف دائماً من الاعتراف. حتى جئت أنت ! كآية في محلها الصحيح من الكتاب, جئت متواطئاً مع المعنى, في لحظة شك محسوبة, وسلخت جلدي الذي أتكفكف به لأداري حقيقتي, وعرضتني أمام انعكاسي عارياً من كل شيء, كلحظة حساب. ورأيت نفسي -نفسي الحقيقية- .. وادعيت العمى واستمريت في غلوائي حتى أهابني مقدار شفافيتي أمامك,   ففررت.. ككل مرة , من كل شيء.  - أكتب لك الآن لأن الصورة مطبوعة في الذاكرة ولأنني مفلس أمام نفسي دائماً. ولأنك –فوق كل شيء آخر- كنت على حق.

الرسالة الثانية من أصل عشرة

صباح الخير يا لميس
أعلم بأنه من الكياسة السؤال عن الحال في هذا الموضع من الرسائل عادة
ولكنني أعلم بأنك بخير.
أعلم بأن لا شيء بإمكانه أن يؤذيك هناك. أكتب لك في التاسعة صباحاً في الوقت الذي تغلب حرارة الشمس فيه كل شيء في الوقت الذي غلبتك الحرارة فوقعتي أسيرة لها مضت ٧٣ سنة و لكنني ما زلت أتذكر ملامح والدتك حينما أتيت راكضة لزيارتك الباب المندفع بطيش دخولي مبتسمة و كأنني أحمل بجيبي المعجزات و أمك.. بدموعها الموشومة على خديها أتذكر الخوف الذي اعتراني حينما رأيتها لم يسبق لي أن رأيت الكبار يبكون لم أعلم أنهم قادرين على ذلك أصلاً ظننت دائماً أن الدموع خُلقت لضعفنا لأننا أصغر من أن نحتمل الحزن و الألم لهذا كنت أهفو لأكبر ، حتى تتوقف الدموع و أصبح قوية كبطل خارق لطالما اعتقدت بأن البالغين أبطال خارقون ولكن رؤية والدتك بذاك المنظر شوشني و حطم معتقدي! وقفت بجانب الباب الذي ركلته بخجل لم أعرف ما عليّ فعله كان الأمر مخيفاً و غريباً، أردت وقتها أن أهرب، ولكن أمك رأتني و حينما فعلت ، ارتفعت حاجبيها بأسى و أنّت اسمي باكية "أحلااام!! أوه يا حبيبتي!" وجرتني إلى حضنها قهر…