المشاركات

الرسالة العاشرة من أصل عشرة

"أصدقائي ليسوا هنا لليوم يا توماس." أعلم بأنني قلت ذات العبارة بالأمس, واليوم الذي قبله, واليوم الذي قبل قبله, وأعلم بأنه من الأجدر القول بأن أصدقائي ليسوا هنا والتوقف عند ذلك. ولكن قول الأمر بهذه الطريقة يرعبني ! لأن صياغة الكلمات بتلك الطريقة يبدو كتصريح صريح بالوحدة, كاعتراف هشٍ بالخسارة. أقول بأنهم ليسوا هنا لليوم ليبدو الأمر و كأنهم سيكونون هنا غداً. ليبدو أمر وحدتي مؤقتاً ومقنناً, ليسهل عليّ العبور خلال اليوم الذي أنطلق راكضة من أوله ولا أتوقف حتى بعد أن أعبر حافته. اليوم الذي مهما سكبت في جوفه من المشاغل يبقى خاوياً, كقربة مخرومة.. اليوم الذي يدفعني لأسأل في كل مطلع جديد له عما فعلته لاستحقاقه. إنني أتساءل دائماً, ماذا صنعنا بهذه الحياة يا توماس؟ أي نوع من الفروقات أحدثنا؟ هل تحتسب أرواحنا ضمن كينونة هذه المجرة الواسعة حتى؟ هل سيبقى شيء مني يصارع النسيان الآخذ بالاتساع باتساع خانات الأسماء المارة على هذه الأرض؟ هل سيباغت اسمي ذكريات الأصدقاء إذا ما ابتهلوا يوماً للسعادة أو للحب؟ الأمر أنني أمضيت عمراً طويلاً يا توماس, أفتش عن شيء لأصنعه ليكون زكاة لروحي إذا ما غادرت هذا ال…

الرسالة التاسعة من أصل عشرة

هذه رسالة اعتذار قادمة تحت كل الظروف الداعية إذا أعطيتها القدر الكافي من التمحيص، لأن التصرفات كثيرة وانا لا أختار الا الخاطئة ولأن في داخلي دودة ذنب تستمر بالتوغل تحت جلد الكلمات التي تفيض الى الخارج. كل الأمر أنني لست أعلم أين أخبئ خيبتي.  من كل شيء. من كل الأماني التي بنيتها على أساس فاسد لأنني قضيت وقتاً طويلاً بلا مأوى، وفاقني عطشي إلى الأمان فأمست أحلامي حطاماً لا أنجح في ترميم أنقاضه أو تركه إلى الريح. وبقيت دهراً أصلي إلى الله في مهجة غناي الذي كان مصب فقري، وسألته أن يغفر لي هذا الانكسار في عامود الأمل، وكل الضحايا الذين هال عليهم بنياني الضحل للسعادة. دعوته بكل الدموع التي لم أعرف لها مجرى سوى الداخل، ولم أشعر بالطهر. كنت أشعر دائماً بأن صلاتي ناقصة, مجرد عذر أبرر فيه ذنبي، طريقٌ مختصر لنفض المسؤولية عني.. وهذه الفكرة تحديداً هي ما اقتاتت على روحي التي غدت بالوقت المناسب عملة خالصة للأسف. تصنيع سليم لرسالة اعتذار، لتوبة نصوح تنخر صاحبها بعقدة الذنب. فأبقى كاللزام أعتذر.. لك، للصديق الذي خذلته في ظلمته، للفتى الذي سخرت منه في طفولتي، للبائع الذي لم آخذ عينة العطر منه حينما مررت بمحله…

الرسالة الثامنة من أصل عشرة

أيها القادم إلى هنا من المستقبل اللامعلوم. إلى هذه البقعة الراغبة بالبقاء. مرحباً ! أنا سعيدة بوجودك.. هذا المكان لم يكن دوماً رحباً لاحتواء الجميع, ولكنني سأترك لك مساحة صغيرة لتختبئ, لتغيب قليلاً عن تعثرات العالم في إسعادك, لتهدأ, وليستسلم هذا الوثب عن مطاردة نبضات قلبك ودفعها لركض ميلٍ إضافي. هذا المكان ليس عدماً وليس حلماً, وبكل تأكيد ليس بيتاً تؤوب إليه.  هذا منفى ! للأرواح التي وُلدت بقصر أنفاس طبيعي أمام عدو الحياة, للأشخاص الذين يهربون قليلاً من المحادثات إلى السرحان في أطياف العدم, الذين ينامون ساعة إضافية قبل النفاذ إلى العالم, لأولئك الذين ينزلق حضورهم إلى العدم في آخر الحفل, للمناضلين في رسم ابتسامات غير متأكدين من حضورها في دواخلهم, للمشككين في كينونتهم تحت قهر المتغيرات. هذا منفى. لا يفعل شيئاً, ولا يطلب منك فعل شيء. هذا منفى. للتوقف قليلاً, أو البكاء , أو سرقة الأوكسجين من جعبة الكون, أو حتى ركل الحائط من فرط الغيظ المحتبس.
لذا لا تخف ولا تبتئس, خذ نفساً عميقاً.. ثم انطلق مجدداً لمواجهة اليوم.

الرسالة السابعة من أصل عشرة

مرحباً.. أردت أن أخبرك بأنني ما زلت أبحث عن أشياء تدفعني للكتابة, والحب, والضحك, و تحقيق الأحلام العالقة في قائمة الانتظار الأبدية ما زلت أبحث عن الشغف البائت في مغارة سحرية لا يطؤها إلا المؤمنون بالحياة و نضارة العيش تحت الشمس ما زلت لا أعلم للحياة سبيلاً.. لأن الموت في بالي , و الرعب في قلبي , و الجسد منزوع الرغبة ولا شيء يستحق الموت لأجله, ولا شيء يستحق الاستيقاظ لرؤيته, ولا موعد يتوجب عليّ لحاقه بالضرورة كل شيء يمر في حالة خدر و ضجر مميتة. ولا زلت أعيش, كما لو أن لا رغبة لي بالموت. ولا زلت أموت, و كأنني لم أعتكف العيش يوماً إنني رزمة متضاربة من الآراء المزيفة, إنني عدمية تتستر بثوب البحث عن مغزى إنني أنقر كل الأبواب الفارغة ثم أشتكي من شح الجواب هذا الضياع, إنه يستميت ليحتويني. إنه دائماً هنا, في آخر الرواق.. في الركن الداني من الأريكة, في الظلام الذي أقتطفه من ستائر الغروب يحنو عليّ دائماً, ويدعوني لأكون صديقته, ليس فقط كمحاولة سخيفة لتعبئة فراغ الوقت بل كهوية , كرفيق لا يغيب مع حضور الأصحاب, كمأوى في غياهب المحافل والقاعات و الدفء الناشئ من شعور الانتماء. هذا الضياع.. إنه لا ينوي شر…

الرسالة السادسة من أصل عشرة

سأغادر الليلة يا حلوتي, 
وستكون ليلة جميلة,
فلا تحزني ولا تبتئسي.

الرسالة الخامسة من أصل عشرة

عزيزتي فيكتوريا أنتي في كل مكان.. باتت أحلامي معبأة بك. كل الوجوه وجهك , وكل الأحاديث تلوذ بي إليك أصبح الناس يتجنبون الحديث معي أنا العجوز المجنون الذي يتحاشون ملاقاته في الشارع عرضاً بت كمريض زهايمر غائب في حقبة زمنية معنوّنة بك كل الكلام أنت, كل الذكريات أنت, كل الصراعات والمشاكل أنت. أنا غريق في تلابيبك يصلي من أجل الرحمة فاجتثيني وبعنفوانك أغدقيني. أوه حبيبتي فيكتوريا.. أحلم بك كل يوم, وكل مرة أستيقظ باكياً كل مرة ينتهي الحلم –الكابوس- بك تغادرين وكل ما أفعله للفوز بك يثبر ويبور. وأستيقظ باكياً.. من فرط خيبتي , من انتهاكك لأحلامي بهذه الوحشية الضارية من رؤيتك تنتزعين قلبي وتغادرين. لذا اعتزلت النوم! إن كنتي ستحضرين فسيكون الأمر بإرادتي ولن تموتي أو تأكلك الضباع أو يخطفك اللصوص عنوة مني لذا بتنا أنا والقهوة أصدقاء. أحتسيها حتى تتقوّض معدتي, حتى تغلبني المرارة, حتى الفجر.. وطيلة اختلائي بالأوراق العبثية المصبوغة باسمك المملوءة بدموعي وحسراتي وجمال عينيك. آه من عينيك !

الرسالة الرابعة من أصل عشرة

 مرحباً يا حبيبي ليس من المفترض ان تكون هذه وسيلتي في التواصل ولكن طرقي محدودة، و السماء بالاعلى واسعة وتسحبني.. كجاذبية عكسية لذا هذا كل ما املكه. رسالة مكتوبة بخط ابنتنا التي بالكاد تعرف الفرق بين الـA و الـB اكتب لك لانني لم اشأ ان اتركك هكذا لأنني لم أشأ تركك بالمرة ! ولكنه كان موعد رحيلي بالفعل، كان لزاماً ان ارحل، بينما تبقى أنت.. طويلاً، حتى يكبر اطفالنا. اكتب لاطلب منك البقاء، اعلم كم تستهويك فكرة ملاحقتي، وكم تبدو الحياة فارغة حينما يسبقك الموت إلي. رأيت انكسارك في جنازتي، وامتعاضك من وجه "جون" .. أنت تلومه بالفعل. إعلم بأن لا ذنب له في ذلك، وأنه في حال عدت لذاك الموقف كنت لاختار الأمر نفسه. لذا احبه كما تحبني، ولا تخبره يوماً انه كان سبباً في موتي. و اعلم باني ساعود .. كشجرة تبني عليها ارجوحة يتسابق إليها بيث و جون . وسأراقبك دائماً، و سأعتني بك.