المشاركات

عرض المشاركات من 2019

قبرٌ على وجه الغروب

يغلبني شعور بالوحدة، وكأن ظلي هو صديقي الوحيد، وكأن كل الكلمات التي أشاركها الآخرين بلا معنى. وكأن كل عمق أغوصه يردني إلى الأعلى.. وكأنني لا أحمل أملاً في صدري بالنجاة. وهذا صحيح. كل علاقة أبنيها في الآونة الأخيرة تُبنى بأسس منخورة، تُبنى بلا أمل، لأن النهاية قريبة، لأن عمر الكون انقضى، ولأني أباشر في حفر قبري في كل مرة تختبئ الشمس خلف الشجرة الأخيرة المتبقية على وجه الأرض. وبكل مرة تعود، ترجوني لأترك المجرفة، لأردم الحفرة، لأزرع نبتة. لكني لا أفعل. كل نبتة أرويها تصير فرصة للشمس لتختبئ، وكلما امتد غياب الشمس، كبرت الحفرة.

المسافات بيننا

أنت هنا وأنا هناك، وهذه المسافة الحقيقية دائماً تفصلنا بشكل يجعلنا مختلفين رغم كل التطابقات، رغم كل المشاعر، رغم كل الأحزان التي وقفنا في وجهها متعاضدين. في الرسائل عطل تقني يمنعها من الوصول في الوقت المناسب، مما يخلق عطباً لا استطيع اصلاحه في التواصل. لأن هذه المسافة دائماً بيننا، لأن ظرف المكان دائماً خائن، ولأن الزمن يركض في عالمي، ويتباطأ في عالمك، وكل ما افعله هو الركض، أحاول لحاق لحظة فاتتني بالفعل. فأنكب على وجهي متعبة من كل هذا الركض الخاوي. لكن لا ينهكني يا صديقي شيء بقدر عجزي عن قتل الأميال بيننا. وأنني حتى هذه اللحظة من العمر الطويل بيننا لا أعلم ما يبدو عليه وجهك في اللحظة الأولى من الدهشة، أو كيف استشعر حزنك من نظراتك المبللة. كل ما أحاول قوله هنا بأنني أحبك وليس لديّ سبيل سوى الكلمات للإشادة بذلك. وأنني أود لو أمتلك طريقاً إليك، ولو بعد أمدٍ طويل. لذا حتى تحضر اللحظة التي أحضنك فيها (أو ألكمك تحت نذر قديم نذرناه سوياً)...
كن بخير.

الثاني من رمضان

إنه الثاني من رمضان, وأنا أشتاق إليك جداً. وهذا ليس بكاءً في وجه القدر الذي أخذك هذا مجرد شوق بريء يحضر في المنازل التي لا تحويك داخلها بعد الآن يرهبني دائماً أن السنة مرت بسرعة, وأن الكثير انهار في رحيلك, وأن كلاماً توجب أن يقال لم يُقل, وأنني دائماً أجوب منزلك بعينيّ باحثة, وفي لحظة سهو فارطة يُهيأ لي أنك هنا, بأنك ما زلتي في غرفتك تنتظرين أن نحل عليك لنقبل رأسك ويديك ونتم رمضاننا برؤيتك. لم أتخيل أننا كعائلة سنمضي هكذا بعدك, لم أتخيل أن أحداً سيمضي بالمرة! ولكننا فعلنا.. مدركين أننا فقدنا عضواً حيوياً لا نكون بعده كما كنا. الأيام دونك شاقة, والشمل من بعدك تشتت في وحدته, والوحدة تعيش في قلوبنا جمعا. لا كلام أقوله سيكفي مقدار حنيني, ولا حروف ستشرح فرط حزني. وكل كلمة في سبيل ذلك ستفتح السبيل لأنهار قلبي بالتدفق.  أشتاقك يا جدتي, وأصلي دائماً أن يكون مثواك الجنة, أن تكوني في نعيم لا تشكيك فيه, أن تغرقي في السلام الذي لا نهاية له, وأن يغدقك الله برحمته.


أحبك. حفيدتك: أمنية

ما خلف السور الطويل

أقضي معظم يومي في مكان آخر..  خارج نفسي,  خارج السور الفاصل بيني وبين هذا العالم الرحب,  وأرى سعة الكون في ضيقه,  وأرى الضحكات والدموع مجتمعة على هيئة برك صغيرة ندوسها بأقدامنا المتسخة من فرط المشي. ولا آبه بشيء. يدايّ مكبلتين بالأيادي العديدة التي تأخذني, وتدور بي..  حتى تميل زاوية الصورة. ردائي الأبيض يتمايل بألوان الطيف بكل إلتفاتة آخذها نحو الضوء.  عينايّ زجاجتين مشتعلتين بالرهبة والحماس والخوف. تتابع كل شيء,  تحاول ابتلاع المشهد وحفظه في خزنة سرية أبقيها في الجزء الخلفيّ من رأسي..  حتى إذا ما عدت يوماً, واستعاد العالم وزنه مجدداً,  خلف السياج الطويل الفاصل بيني وبينه..  يكون لديّ شيء يصلني به,  يكون لديّ الرائحة المريرة للحياة,  والطعم الفاسخ للدماء في فمي. يكون لديّ نور أقبضه في أصابعي المصنوعة من تراب القبور..  من ودائع الموتى و رطوبة الدموع. يكون لديّ ما أنافس به هذا الموت الآخذ بالاتساع بداخلي كوباء. يكون لديّ بذرة ضياء تنير عتمة روحي.