أنا و الكتابة (القصة التي لا جدوى من قراءتها)

"أنا أكتب .. لأن كتابتي هذه هي البرهان بأني لا زلت على قيد الحياة
-آيه في مذكرتها التي نُشرت و تم صنع دراما منها 


كم هزت هذه الكلمات قلبي ..  
بقوتها 
بوقعها 
و بحقيقتها
لم أكن لأصدق هذا الكلام قبل خمس سنوات 
فالكتابة حين إذ لم تكن سوى شيء عارض بالنسبة لي , و لم تكن ذات أهمية بالغة 
كنت أكتب .. فقط هكذا
لحل واجب , لإنهاء مقال مفروض عليّ , و لمراسلة صديق .. و في حال سلكت جانب الخواطر تجدني ابعثر كلماتي بتكرار ممل و اساليب رديئة
و لكنها بدأت تأخذ منحنى آخر حينما سلمتني أختي أول كتاب أدبي فصيح أقرأه 
كان كتاب "عبرات"  للكاتب العظيم "مصطفى لطفي المنفلوطي
و للحق كان ذاك الكتاب كالقفزة التي جعلتني أقترب أكثر من الأدب , و القراءة , و الوصف , و المفردات العربية الفصيحة التي تبقى ترن في عقلك مدة من الزمن 
رغم اني لم افهم نصف مفرداته الصعبة وقتها نظرا الى اني انتقلت من المجلات و الكتب التعليمية الرتيبة ذات المصطلحات المعتادة و المكررة الى كتاب زاخر بالكلمات المعقدة أدبيا لا علميا 
شعرت وقت ذاك بشيء من السحر , بأن ألوان الطيف قد انبثقت من بين الكلمات , كنت اقرأ بنهم لأعرف بقية القصة و لم اكن لأتوقف الى على آخر سطر من الحكاية , كنت اشعر بشيء من اللذة و المتعه رغم ان الكتاب كان اسودا بأبيض ولا ترى شيئا غير الكلمات المتراصة في سطور طويلة لا تنتهي إلا بانتهاء الصفحة .. إلا ان وصفه الدقيق كان يحملني الى أرض الحدث , كنت اشعر بضوء القمر و هو ينعكس على وجهي تحت ستار الليل , نفحات الريح , و رائحة الدماء , و دموع الحسرة على وجه تلك الأرملة التي مكثت سنينا طوال تنتظر طفلها , و الغبار في تلك الغرفة الرثة التي لم يسكنها سوى ذاك الطالب العاشق لابنة عمه
كنت اشعر بالإنذهال لما انا فيه من كلمات صعبة , و اخذت على عاتقي ان افتش عن معاني تلك الكلمات 
فصرت أنقب خلف كل كلمة و معناها حتى أفهم الحوار و مجرى الأحداث
وقتها أردت بشدة و بسرعة أن أصل الى ذات مستوى "المنفلوطي" -الذي كان بوضوح بعيدا جدا عن ما أنا عليه
فرحت أكتب خواطر بسيطة تحمل كلمة او كلمتين من الكلمات المسطورة في كتابه في محاولة متواضعة جدا لمحاكاة أسلوبه .
رغم أني كنت أكتب منذ طفولتي و نشأت في عائلة تحب الأدب و الأدباء الا انني لم اصل يوما الى مستوى الكتابة "الاحترافية" او حتى "الأدبية" لأن هذه الكتب العظيمة التي تحتاج الى ادراك عميق لم تكن ما تدنو اليه اناملي في الغالب غير انني كنت مهووسة بتعلم اللغة الانجليزية حين ذاك , و لم يكن فيّ جانب عربي .. و لا استلطاف لما يصنعه العرب من فن ! 
و لكن هذا الكتاب قد هداني الى كتب اخرى لكتاب من العصر الحديث فقرأت عدة روايات -للحق لا أتذكر اسمائها
و صرت ارعي للشعر اهتماما و بمجرد ان اسمع بكتاب عربي جميل ابدأ بالبحث عنه 
فكنت اقرأ لأستمتع أولا , و لألقم مفردا او مفردين و أضعها في خاطرة جديدة ثانيا 
و هكذا .. حتى وصلت الى المرحلة الثانوية .. 
و كانت معلمة اللغة العربية -التي يحدث بأنها خالتي- امرأة شغوفة بما تعمله 
تعشق القواعد و الأدب و النصوص 
و قد كانت هذه المرأة أحد الاسباب التي ساهمت في تطور كتابتي الى هذا الحد 
و حينما وصلت للصف الثاني الثانوي .. كنت قد اكتنزت كمّاً لا يستهان به من المفردات 
و وجدت ان اساليبي البلاغية قد تحسنت بشكل واضح جدا 
عند إذ .. لم يبقى سوى شيء واحد 
الا و هو اختيار موضوع , و كم كان هذا الأمر صعبا بالنسبة لي 
فبحكم طريقة تفكيري و اسلوبي في الحياة وجدت ان احاديث الصباح و السعادة و التفاؤل لا تناسبني -لا يعني هذا اني لست متفائلة
كنت قد دنوت أكثر من اسلوب الكتابة التراجيدي -نظرا الى ان كل الكتب التي قرأتها بداية من "عبرات" كانت تراجيدية بشكل صريح جدا
و للحق لا تنال كتب التفاؤل استحساني 
و لم أجد نفسي في الأحداث السياسية المأساوية , ولا في المصائب الصريحه 
كان قلبي يميل الى المشاعر , و الروح .. و ما يعتري الانسان من ضيق 
و كم كانت تشوهات القلب و الروح تجذبني 
فرحت أكتب عن هذه المواضيع التي أشعر بأني وجدت كتابتي تنتمي لها -و لو لم انتمي لها كشخص
 كنت احب تهيئة نفسي الى هذا النوع من الخواطر .. اقلب الصور الحزينة حتى اجد الموضوع المناسب و أشرع بالكتابة بلا كلل او نضب 
كما كنت اسرق قصصا من الواقع و أطمس هوية الأشخاص فيها 
أشعر بأني حينما أكتب أرسم -و حينما أرسم أكتب- فأكون بكتابتي اصبغ لوحة بقصة ما .. لا يفهمها الا المتعمقون في القراءة 
و رغم انني قد وضحت بأني احب المواضيع التراجيدية و اكره المواضيع الايجابية الا ان هذا لا يمنع بأن يعتري كتابتي بعض من شخصي -الذي يحب التفاؤل- فأبدأ بخط بعض العبارات التشجيعية او ارسم بعض الخواطر بالأحاديث السعيدة التي لا تستطيع سوى الابتسام اثناء قراءتها 
و لكني -من جانب شخصي جداً- اؤمن بأن الجانب المأساوي في الكتابة يطغى لدي .. و للحق أحب طغيانه 
و بهذا الكم من التراجيديا و المفردات التي تصف حالي بدقة تامة حينا و تضيع في فلك الفراغ أحيانا
كنت قد وجدت نفسي الكاتبة .. او اسلوبي بالكتابة 
نعم .. كئيب , رمادي , يحيد عن جادة الصواب التي لا اعرف اين هي في الكتابة 
و لكنه أسلوبي و طريقتي التي تجعل ما أكتبه يشير إليّ أنا .. ولا غير !
 

تعليقات

  1. أحب امنيةً..تلك
    وانا من المشجعين لك حتى الابد
    انت موهبة فطرية..
    واحب ان أطلق عليك.لقب "قاعدة معلومات " انت تشبهي..تلكم الشخصية كثيرا في كل شي تقريبا عندما أشاهده تاتين في مخيلتي فوراً....امنيه أحبك أحبك بقدر مااشبعتني..تلك الكلمات وبمقدار..الحمااس الذي وصلني منها

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الرسالة الرابعة من أصل عشرة

توصيف لغرفة الذاكرة

الرسالة السابعة من أصل عشرة