دورة الضياع.. سلسلة طويلة من الإندثار و التبلور.

وكما تبين يا صاحبي, فإن الحلقة اللا منتهية من الضياع عادت إلى بكورها
عادت إلى بدايات نشأتها المفعمة بالأسئلة و الشك, بالتقفي اللامعلوم للحقيقة البائرة
بالتخبط في تلابيب المكان بحثاً عن شيء, شيءٍ مجهول الهوية
حقيقة جوهرية تختبئ في مضامين التصرفات السخيفة , في تفاصيل الحركات العفوية
في مرادفات الكلمات و معانيها.
و هذه الحقيقة هي القادرة على كشف السر, و صنع المغزى و تحديد الهوية مرة أخرى بعد كمٍ وفيرٍ من التيه.
أنا الآن في وسط ركضي نحو الحقيقة التي مُحقت فجأة بين ليلة و ضحاها.
بعد أن أمضيت 4 سنينٍ من اليقين الذي حسبته دائماً, أو بائتاً لمدة أطول على أقل تقدير.
انتهت صلاحية معرفتي الأكيدة و مرفقاتها من الثقة بقراراتي و اختياراتي و القدرة على تحديد الصواب و الخطأ في ليلة ثلاثاء عادية
ولأصدقك قولاً , لطالما اعتقدت بأن مثل هذه الأشياء تحدث تحت وقع مطارق الضغط التي تدق عنق الحياة فتصبح كل الأشياء غير أكيدة وفقاً لذلك.
أو أن يكون هذا الاختفاء الفجائعي نتاج تلاشٍ طويل الأمد.. كمريض في مراحله الأخيرة من المرض, ينكمش شيئاً فشيئاً نحو الاختفاء التام.
لكن أن يحدث كل شيء فجأة.. بينما تشاهد مسلسلاً تلفزيونياً , بينما أنت في لُب غيابك المحظي, أن تنفجر دواخلك بنوبة هلع غير متوقعة, أن تُطرقع نوبة الهلع باصابعها فيتهشم كل شيء كنت يوماً تعرفه.
أن تمر شهور و أنت –لازلت- تدور في ظرف المكان باحثاً عن هويتك, كمن يفتش عن ابنه, ولا يجد له أثراً , ولا يزيده البحث إلا يأساً و هما.
وأود لو أتوقف يا صاحبي, عن كل هذا البحث, عن كل الاختبارات التي خضت غمارها و حاولت تصديقها, و كل الأبراج التي رسمت خرائطها النجمية لأتبين منها وجهاً لليقين, عن كل الالعاب التي رميت أوراقها في كل صوب لأجد اتجاهاً يقودني للحقيقة.. ولكنني لا أستطيع!
أتدرك الاحساس الذي يغمرك حينما تستيقظ في الوقت الخاطئ من اليوم؟ حينما تتساءل أين أنت و كم الساعة الآن؟ حين تحتشد في دماغك الأسئلة, وللحظة.. للحظة قصيرة لا تعلم الاجابة؟
ذلك هو احساسي كل يوم, و كل مرة يزداد دمامة, و تستفيض الاسئلة , و ينجب السؤال سؤالاً , وتتداعى سُبل الاجابة.. و لا يسعك سوى التحديق في شاشتك و أخذ اختبار شخصية جديد علّ ذلك يعينك على ترتيب درج من أدراج الأفكار اللامنتظمة.
رأسي يعوم في الفوضى, دماغي يجوب طريقه في تدفق لا منتهٍ من العشوائية.. و أنا لا أعلم من أنا ولا ما أبتغيه من هذه الحياة.
المصيبة أنني في خضم هذا الإندثار أنطوي.. و أنظر لنفسي من عينٍ عُليا ولا أرى فيّ ما يستحق الإيجاد, ولا أجد ما يمكن اصلاحه , ولا أصلح ما انهار مني , و أستمر في دفع نفسي نحو الأسفل.. بعيداً , بعيداً عن ناظري, و ناظر الكون.

حتى يصبح الضياع أمراً ثانوياً, والاحتقار الذي يلتهم ما تبقى مني هو كل شيء.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الرسالة الرابعة من أصل عشرة

توصيف لغرفة الذاكرة

الرسالة الثالثة من أصل عشرة